خاص( البعد الرابع) غرفة الأخبار
نشر في الاثنين ,22 يونيو ,2026-10:45 مساءً
قال الصحفي السعودي الشهير راشد بن ضيف العنزي أن خسارة المنتخب السعودي أمام نظيرة الإسباني برباعية نظيفة لم تكن خسارةً رياضية عابرة، ولا مجرد صافرة نهاية لمباراة في كرة القدم، بل بدت بالنسبة لي صافرة إنذار تستدعي التوقف والتأمل. فقد أثار في نفسي مشهد الاحتفالات التي شهدتها بعض مدن الجنوب اليمني عقب هزيمة المنتخب السعودي أمام نظيره الإسباني مشاعر من الحزن والاستغراب والمرارة، وهي مشاعر تجاوزت حدود المنافسة الرياضية إلى تساؤلات أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الشعبين الشقيقين.
فقد تناقلت منصات التواصل الاجتماعي مشاهد احتفالات صاخبة وإطلاق ألعاب نارية ومظاهر ابتهاج واسعة، وكأن الأمر لا يتعلق بنتيجة مباراة كرة قدم، بل بحدث يحمل دلالات تتجاوز المستطيل الأخضر بكثير.
فرحة رياضية أم رسالة سياسية؟
المفارقة اللافتة أن حجم الاحتفالات بدا أكبر مما كان متوقعاً حتى في المدن الإسبانية نفسها، ما يدفع إلى التساؤل: هل كانت تلك مجرد فرحة كروية عفوية، أم أنها تعبير عن مشاعر متراكمة وجدت في حدث رياضي فرصة للخروج إلى العلن؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة أمام مشهد يصعب تفسيره باعتباره مجرد تشجيع لفريق على حساب آخر. فحين يتحول سقوط طرف إلى مناسبة للاحتفال لدى طرف آخر تجمعه به روابط التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة، فإن الأمر يستحق التوقف عنده بجدية ومسؤولية.
من الحليف إلى الخصم الرمزي
لطالما ارتبط اليمن والمملكة العربية السعودية بعلاقات أخوية وتاريخية عميقة، وتشاركا عبر عقود طويلة الكثير من التحديات والمواقف والمصالح المشتركة. كما قدم اليمنيون تضحيات كبيرة في محطات مختلفة كان فيها أمن المملكة واستقرارها جزءاً من أمن المنطقة واستقرارها.
لكن المشهد الذي رأيناه يثير تساؤلات مؤلمة: كيف وصلت العلاقة لدى بعض الفئات إلى مرحلة يصبح فيها انكسار المملكة، حتى وإن كان رياضياً، سبباً للابتهاج؟
كيف تحوّل الحليف التاريخي والجار الأقرب إلى رمزٍ تُسقط عليه بعض الجماهير حالة الغضب أو الإحباط أو الشعور بالخذلان؟
كرة القدم مرآة للمزاج العام
قد يكون من الخطأ اختزال هذه المشاهد في إطار الرياضة فقط. فالملاعب كثيراً ما تتحول إلى مرآة تعكس المزاج الشعبي، وتكشف ما يعتمل داخل المجتمعات من مشاعر وآراء وتقييمات سياسية واجتماعية.
ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال بهزيمة المنتخب السعودي لا يمكن فصله بالكامل عن حالة الاحتقان التي يشعر بها بعض اليمنيين تجاه السياسات الإقليمية أو تجاه مسارات الصراع التي ألقت بظلالها الثقيلة على حياتهم ومستقبلهم.
إن وصول قطاع من اليمنيين إلى التعبير عن مشاعرهم بهذه الطريقة يحمل مؤشرات تستدعي القراءة المتأنية، لا ردود الفعل الانفعالية أو التفسيرات السطحية.
دعوة إلى مراجعة صادقة
ما حدث ينبغي أن يُقرأ باعتباره رسالة تستحق الإنصات، لا مناسبة للغضب أو الاتهامات المتبادلة. فالعلاقات بين الشعوب لا تُقاس فقط بالمواقف الرسمية، بل أيضاً بمستوى الثقة والقبول المتبادل بين المجتمعات.
ولهذا فإن الحاجة تبدو ملحة إلى مراجعة شاملة وصريحة للسياسات والمقاربات التي تحكم العلاقة مع الشعب اليمني، والعمل على إعادة بناء جسور الثقة وتعزيز الروابط التي تعرضت خلال السنوات الماضية لاختبارات قاسية.
القلوب لا تُشترى
التاريخ يعلمنا أن الحلفاء لا يتحولون إلى خصوم بين ليلة وضحاها، وأن الشعوب لا تفقد مشاعرها الإيجابية تجاه جيرانها إلا عندما تتراكم الخيبات ويطول الشعور بالتجاهل.
إن كسب القلوب أصعب بكثير من كسب المعارك، وخسارة الثقة أخطر من خسارة أي مباراة. فالحليف الذي يخسر مكانته في وجدان الشعوب لا يمكن استعادته بالمال أو القوة أو النفوذ وحدها.
ولذلك فإن اللحظة تستدعي قدراً كبيراً من الحكمة والمراجعة والإنصات، لأن الأصدقاء لا يولدون أعداء، وإنما تصنعهم الأخطاء المتراكمة وسوء التقدير وتجاهل آلام الحلفاء.
إنها رسالة ينبغي أن تُقرأ جيداً قبل أن تتسع الفجوة أكثر، وقبل أن تتحول مشاعر الجفوة العابرة إلى قطيعة يصعب ترميمها.