عدن : (البعد الرابع) غرفة الأخبار
أثار القرار الأخير لوزارة الصناعة والتجارة في عدن، والقاضي بفرض رسوم تعويضية بنسبة 20 % على واردات الدقيق ومياه الشرب مطلع مايو الجاري، جدلا متصاعدا في الأوساط الاقتصادية والشعبية، بين من يتخوف انعكاس هذا الإجراء على الأسعار وزيادة الأعباء المعيشية في ظل غياب رؤية واضحة للبديل المحلي، وبين من يرى أن القرار يمثل امتدادا حتميا لتوجهات تنموية بدأت تتبلور مؤخرا في أروقة صناعة القرار، وكان أبرز مؤشراتها "المعرض الأول للمنتجات والصناعة الوطنية" الذي أقيم في أبريل الماضي ليعكس رغبة رسمية جادة في إعادة الاعتبار للإنتاج المحلي وبناء شراكة مرنة ومستدامة مع القطاع الخاص.
أداة سيادية
في قراءة أعمق لطبيعة القرار.. يمكن القول أن هناك أبعادا سيادية تتخطى مجرد العائد الجمركي التقليدي لتصبح خط دفاع أول في مواجهة سياسات الإغراق السلعي المنظم الذي يهدد بتبديد الأصول الإنتاجية وتشريد العمالة المحلية جراء المنافسة غير المتكافئة، حيث تكمن القيمة الحقيقية للقرار في إعادة هندسة منظومة الاستيراد عبر الفصل البنيوي الحاسم بين مسارين اقتصاديين؛ مسار استراتيجي يدعم المدخلات والمواد الخام التي تحرك عجلات اللوجستيات والطاقة وتؤمن صمود وموثوقية المطاحن المحلية، ومسار آخر يضع قيودا صارمة على المنتج الجاهز المعبأ خارجيا والذي يتسبب استمراره في نزيف مستمر للعملة الصعبة الشحيحة وترحيل الوظائف الوطنية إلى الخارج بدلا من توطينها لدعم الاقتصاد المحلي.
صوامع الغلال والأمن الغذائي
بوضوح ان الإجراءات المتخذة اليوم تمثل حائط صد استراتيجي لتأمين استقرار صوامع الغلال التابعة للمطاحن الوطنية التسع باعتبار أن صمود هذه المنشآت الضخمة هو الضامن الفعلي الوحيد لاستمرار عمليات استيراد وتخزين الحبوب بكميات كافية، بينما يعني التوقف والانهيار ارتهانا كليا ومباشرا للمستورد الجاهز، وهو ما يعد خيارا انتحاريا وسط بيئة جيوسياسية دولية شديدة الاضطراب أثبتت فيها أزمات الشحن البحري المتلاحقة أن مستوردي السلع الجاهزة هم أول من ينسحب من الأسواق عند اشتداد الأزمات نظرا لعدم امتلاكهم أصولا رأسمالية أو بنية تحتية يخشون خسارتها في الميدان.
الخلاصة:
لقد أثبتت تجارب الدول التي تبنت خيار التوطين الإنتاجي قدرتها العالية على تحقيق الاستقلال الاقتصادي الفعلي والتحرر من التبعية الخارجية، وعليه فاليمن يقف أمام فرصة تاريخية لتصحيح مساره الاقتصادي الهيكلي، ولا بد من توحيد الإرادة الرسمية مع الوعي الشعبي وتعميق تفاعل القطاع الخاص، كون توطين الإنتاج يمثل في جوهره مسؤولية جماعية تضامنية تبدأ من سلوك المستهلك الواعي وتنتهي بقرار المستثمر الاستراتيجي.