أخبار وتقارير

السعودية تشترط موافقة الحوثيين على استعادة دولة الجنوب السابقة

السبت - 07 فبراير 2026 - الساعة 05:48 م بتوقيت اليمن ،،،

خاص( البعد الرابع) غرفة الأخبار


نشر في السبت,7 فبراير ,2026-05:46 مساءً

طالعتنا وكالة رويترز للأنباء بتقرير يتحدث عن أن السعوديين قدموا وعوداً مشروطة للوفد الجنوبي باستعادة دولة الجنوب السابقة، شريطة موافقة الحوثيين والقوى اليمنية الأخرى؛ أي بعد خمس سنوات من التوقيع على اتفاقية خارطة طريق تعتزم الرياض توقيعها مع حكومة صنعاء (المعترف بها سعودياً). وهذا التوقيع لا توجد له مدة زمنية محددة، ما قد يعني أن إبرامه قد يتم بعد شهر أو شهرين أو سنة، وربما بعد سنتين.

الموقف السعودي ليس جديداً ولا مفاجئاً، لكنه يكشف ما كنا نحذر منه، وهو أن الرياض، ومنذ العام الأول للحرب (فبراير 2016م)، دخلت فعلياً في "هدنة إجبارية مع الحوثيين"، بعد أن ظهرت حالة من التمرد المذهبي في جنوب البلاد، حيث يتقاطع البعد الإسماعيلي السعودي مع الزيدي الحوثي، لا القبلي.

في التركيبة العسكرية للجيش السعودي، يهيمن المذهب الإسماعيلي على الوحدات العسكرية المرابطة على الحدود مع اليمن؛ لذلك لجأت الحكومة السعودية منذ وقت مبكر إلى الاستعانة بالقوات الإماراتية والبحرينية والقطرية، وقوات الدعم السريع السودانية، ووحدات المقاومة الجنوبية. وقد قدمت هذه الوحدات العسكرية تضحيات كبيرة في جنوب السعودية، ورغم الهدنة القسرية لم يمنع ذلك الحوثيين من شن هجمات صاروخية على أراضٍ داخل الحدود السعودية، أسفرت عن ضحايا كان أغلبهم من المذهب الإسماعيلي، وهو ما زاد من تعقيدات المشهد العسكري وأجبر السعوديين على تقديم تنازلات كبيرة، وصولاً إلى إعلان الهدنة أكثر من مرة من طرف واحد.
هذه التعقيدات لم تجعل الرياض تقدم تنازلات للحوثيين وحدهم، بل كانت التنازلات الأكبر لإيران، التي قطعت علاقاتها بالسعودية عام 2016م على خلفية إعدام المواطن الشيعي السعودي نمر النمر. وبالمجمل، فإن التنازلات التي قدمتها الرياض لطهران وصنعاء تمثل هزيمة عسكرية وانتكاسة سياسية، نتيجة عوامل ليست كلها بسبب التداخل المذهبي بين الحوثيين وشيعة السعودية، بل أيضاً بسبب سوء إدارة المشهد العسكري وتفشي قضايا الفساد وتحول الحرب إلى تجارة رابحة لبعض القيادات العسكرية. وتشير الحكومة السعودية إلى أن الجنرال الموالي للرياض علي محسن الأحمر وزّع أموالاً سعودية على ضباط سعوديين يعملون لديه، وهي الوثائق التي أثار تسريبها جدلاً واسعاً، خاصة وأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان استغل قضية الرشاوى هذه لإقالة قائد القوات المشتركة السعودي الفريق فهد بن تركي وإحالته للتحقيق في قضايا فساد ورشاوى وبيع أسلحة للحوثيين الموالين لإيران.

لذلك تخشى السعودية جماعة الإخوان والحوثيين بالتوازي، وترى أن الهدنة غير المعلنة بين الطرفين عام 2020م أعادت لها ترتيب صفوفها، لكن الكلفة المالية التي يطالب بها الحوثيون من السعودية تبدو كبيرة، وربما تفوق قدرتها المالية، مثل مطالب جبر الضرر وإعادة الإعمار وصرف المرتبات، وغيرها من الشروط الحوثية، ناهيك عن شرط أساسي يتمثل في فتح الطريق أمام الحوثيين للعودة إلى الجنوب باسم "الوحدة اليمنية". ولذلك ربطت وعودها للجنوبيين بموافقة الحوثيين الذين يصرون على العودة إلى الجنوب بقوة السلاح.
ويقول أحد القيادات اليمنية الموالية للحوثيين إن الرياض وافقت، خلال زيارة سفيرها إلى صنعاء أكثر من ثلاث مرات، على أن قضية بقاء الوحدة اليمنية هي في الأساس "شرط سعودي"، أي إن الرياض لا تمانع من سيطرة الحوثيين على الجنوب مرة أخرى، ولكن عبر بوابة المملكة التي تريد الخروج من الملف اليمني بأقل الخسائر.
في الأول من يناير المنصرم، شنت السعودية حرباً عدوانية على الجنوب بقصف حضرموت والمهرة والضالع، في الوقت الذي أعلنت فيه وسائل إعلام محلية عن تعرض القوات الجنوبية المرابطة على خط التماس مع جماعة الحوثيين، الأذرع المحلية لإيران، لهجمات من طيران يُرجح أنه سعودي، خاصة في ظل استمرار التحليق المكثف للطيران المسيّر فوق ردفان.
وأطلقت الرياض ميليشيات متطرفة ارتكبت مجازر بحق مدنيين في حضرموت، عبر قتل أسرى من القوات الجنوبية بإعدامات ميدانية، في حين أشرف قائد عسكري سعودي يدعى "فهد بن حمد" على عملية الإفراج عن عناصر قيادية من القاعدة وداعش كانت معتقلة في سجون المكلا، وفق معلومات أمنية. وقد أكدت محاولة اغتيال القائد حمدي شكري إنذاراً مبكراً بأن الدور القادم سيكون سيئاً للغاية، فالرياض تجيد إزاحة الخصوم (....)، وهو ملف جُرّب في صنعاء بعد الإطاحة بالنظام الإمامي في ستينيات القرن الماضي.
لذلك تسعى الرياض –وفق استراتيجيتها القديمة– إلى تحويل الجنوب إلى حالة هشاشة دائمة، على غرار الشمال الذي أصبح تحت سلطة الحوثيين الدينية القمعية، كما يُراد للجنوب أن يكون تحت هيمنة ما يسمى بالطوارئ اليمنية الإخوانية ذات الفكر المتطرف، والتي تتشكل من جماعات مسلحة مذهبية، إذ إن قادة هذه القوات لم يدخلوا أي كلية عسكرية، وجميعهم جاءت بهم الرياض من خلفيات مذهبية "جهادية"، رغم أن الكثير منهم ينتمي إلى الهضبة الزيدية، لكنهم يعتنقون الفكر الجهادي في صراعهم مع الحوثيين.
ترى السعودية أن استراتيجيتها تتمثل في بقاء اليمن والجنوب في صراع دائم ومفتوح، لكن بقيودها هي، يمنع أي طرف من فرض خياراته، إلا إذا قررت جماعة الحوثيين "التهام كل شيء"، عندها قد تتماهى الرياض مع ذلك حتى تضمن قيام دولة ملكية موالية، وقد تطلب منفذ بحري على بحر العرب، حتى وأن الخيار الحوثي أصبح أعلى من مشروع السعودية في "إعادة إدارة اليمن على الطريقة القديمة"، إذ إن القبائل اليمنية التي كانت تمثل يد الرياض الطولى في إضعاف الدولة اليمنية المركزية، أصبحت ضعيفة بفعل الهيمنة الحوثية، ناهيك عن أن تلك القبائل التي موّلتها السعودية لنصف قرن لم تقدم شيئاً يُذكر في مواجهة الحوثيين.
مقاربة السعودية للملف اليمني تنطلق من بوابة "خلق صراع مذهبي"، فقد حاولت اختبار هذا الصراع كوسيلة لضبط الحوثيين من خلال التلويح بالبعد المذهبي، لكن هذه الاستراتيجية فشلت حين أنشأت الرياض ما كان يعرف بـ"معهد دماج"، وهو مركز ديني في قلب صعدة. ورغم الخسائر الكبيرة التي مُني بها السلفيون، ترى الرياض أن توسيع هذا الصراع ومنحه الشرعية قد يكون قادراً على كبح جماح الحوثيين إذا قرروا ابتزاز السعودية في أي ملف آخر، بما في ذلك الملف اليمني الذي يظل مفتوح الاحتمالات.
يبدو الدور السعودي، بعد ضرب القوات الجنوبية الحكومية في حضرموت، أكثر هشاشة، فالأزمات الاقتصادية وفشل رؤية 2030 واحتمالية فشل استضافة كأس العالم 2034م تبدو أكثر حضوراً. فالسعودية، على مدى سنوات، تعاملت مع الملفات والأزمات من زاوية مالية اقتصادية، وترى أن الأزمات التي تضرب بعض الدول تمثل فرصة لإعادة ضبطها وفق الرغبة السعودية. لذلك من المتوقع أن تشهد السعودية خلال عام 2027م أزمة اقتصادية حادة قد تلقي بظلالها على الوضع المعيشي للمواطن، حيث أصبح رفع الضرائب والجمارك خيارًا قد يُطرح في أواخر العام الجاري، إن لم يكن العام القادم على أقصى تقدير.
السيطرة على منابع النفط في شبوة وحضرموت ليست كافية، ولو شرعت السعودية في إعادة التنقيب عن النفط في محافظة الجوف اليمنية، تحت أي مشروع سياسي أو توسعي، فإن ذلك سيبقى مرتبطاً بمستقبل سوق الطاقة عموماً، خاصة وأن كثيراً من الدول بدأت في إيجاد موارد أخرى وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية من خلال مشاريع اقتصادية بديلة.